الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

183

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ولا يوافقه فهم العرف قط حسبما عرفت نعم لو قام دليل من الخارج على كون الشرط علة مطلقة لترتب الجزاء تكرر على حسب تكرره كما ذكرنا كما هو الحال في الأخبار الواردة في ثواب الأعمال والعقوبات المتفرعة عليها وما يذكر في الواعظ ونحوها وما ذكر من كلام المنطقيين إنما أرادوا ما به ذكرناه من دون أن يدعو إفادته كون الأول علة للثاني مطلقا كيف وقد صرّحوا بأن إن وإذا من أدوات الإهمال فلا تفيد كلية ثبوت الجزاء عند تحقق الشرط ولو أفاد كونه علة له مطلقا لأفاد ذلك وإنما قالوا به مع وجود إرادة العموم في التعليق كذلك كقولك كلما جاءك زيد فأكرمه ولا كلام أيضا حينئذ في إفادته ذلك كما مر ثانيها أنه لو لم يفد تكرر الجزاء بتكرر الشرط وكان المستفاد منه هو الإتيان به عند حصول الشرط أول مرة لكان الإتيان به مع الثاني أو الثالث إذا ترك عند حصوله أولا قضاء لفوات محله من الإتيان به عقيب المرة الأولى وحينئذ فلا يجب الإتيان به إلا بأمر جديد بناء على ما هو التحقيق في القضاء ووهنه ظاهر فإن كون الوجوب حاصلا عند الحصول الأول من الشرط خاصة لا يقضي بتوقيت الوجوب بحصوله الثاني حتى يكون ذلك قاضيا بانتفاء الوجوب الثابت له من جهة حصوله الأول عند حصوله الثاني بل نقول إن قضية وجوبه الأول هو بقاء الوجوب إلى أن يؤديه المكلف نظرا إلى إطلاقه الأمر فغاية الأمر أن لا يتكرر الوجوب على حسب تكرر الشرط لا أنه ينتهي الأمر به بحصوله الثاني وهو ظاهر نعم لو كان الشرط مفيدا للتوقيت كما في إذا التوقيتية صح القول بلزوم ذلك ولا مانع من الالتزام به ثالثها أن تكرر العلة قاض بتكرر المعلول فكذا الشرط قياسا عليه ووهنه واضح سيما بعد وضوح الفرق بينهما رابعها أن الشرط المستدام يدوم الجزاء بدونه كما إذا قلت إذا وجد شهر رمضان فليصمه فكذا ما بمنزلته من التكرار فيقترن الجزاء بكل حصول من حصولاته كما يقترن حصوله بحصوله المستدام وضعفه ظاهر أيضا لمنع استدامة الجزاء بحصول الشرط المستدام وضعفه ظاهر أيضا ألا ترى أنه لو قيل إن كان زيد في البلد فأعطه درهما أو إن كان حيا فتصدق من مالي دينارا ونحو ذلك من الأمثلة لم يفد إلا حصول ذلك مرة عند حصول الشرط نعم لو كان هناك قرينة على إرادة التطبيق أفاد ذلك وهو أمر آخر لا كلام فيه ونقول بمثله في المقام عند قيام القرينة عليه كذلك [ تحقيق الحال في الأمر بالقياس إلى دلالته على الفور أو التراخي وعدمه ] قوله ذهب الشيخ رحمه الله وجماعة إلى آخره اختلفوا في دلالة الأمر على الفور أو التراخي على أقوال وهذا الخلاف بين من نفي دلالته على التكرار وأما كل من قال بدلالته على التكرار فهو قائل بكونه للفور حسبما نص عليه جماعة وكان ذلك لاستلزام التكرار للفور بزعمه حيث إن أول أزمنة الإمكان مما يجب الإتيان بالفعل عنده بمقتضى الدوام وإلا فالملازمة الاتفاقية بين القولين لا يخلو عن بعد مضافا إلى أنه لو كان الفور مدلولا آخر للصيغة عندهم غير الدوام على حسبما تخيله القائل بالمرة لزم اعتبار الدوام حينئذ بالنسبة إلى مصداق الفور لا إلى آخر أزمنة الإمكان ولا يقول به القائل بكونه للدوام فاللازم حينئذ عدم كون الفورية مدلولا آخر للصيغة بل ليس مفاد الصيغة عنده إلا طلب الفعل على وجه الدوام ويتبعه لزوم الفور حسبما قررناه وفيه تأمل سيظهر الوجه فيه وقد يقال إنه كما يقول القائل المذكور بوجوب الفور وكذا يقول بالتراخي أيضا بل بوجوبه فإنه كما يحكم بوجوب الفعل في أول الأزمنة كذا يقول بوجوبه في آخرها فيتساوى نسبته إلى القولين ويكون القائل بوجوب الفور والتراخي معا وذلك غير ما هو الظاهر من القول بالفور قائلا بوجوب الفور أو التراخي فإنه يراد به حصول تمام الماهية بأدائه على الفور والتراخي [ أول الكلام في تحقيق محل الكلام . ] ثم إن الخلاف في المقام إما في وضع الصيغة ودلالتها على الفور أو التراخي من جهة الوضع أو في مطلق استفادة الفور أو التراخي منها ولو من جهة انصراف الإطلاق ودلالة الظاهر من غير تعلق الوضع بخصوص شيء منهما أو في الأعم من ذلك ومن انصراف الأوامر المطلقة إليه ولو من جهة قيام القرائن العامة عليه حسبما سيشير إليه المصنف في الفائدة الآتية وهذا الوجه إنما يتم بالنسبة إلى الأوامر الواردة في الشريعة دون مطلق الأمر فإن القرائن العامة إنما يقال نصب الشارع إياها في الشريعة ولا يجري القول به في مطلق الأوامر وقد يقال بجريانه فيها مطلقا لما يأتي الإشارة إليه إن شاء الله [ الأقوال في المسألة ] ثم إن لهم في المسألة أقوالا عديدة أحدها القول بالفور ذهب إليه جماعة من المتقدمين منهم الشيخ منا والحنفية والحنابلة والقاضي وجماعة من الأصوليين من العامة واختاره أيضا جماعة من المتأخرين والمراد بالفور إما ثاني زمان الصيغة أو أول أوقات الإمكان أو الفورية العرفية فلا ينافيه تخلل نفس أو شرب ماء ونحو ذلك أو الفورية العرفية المختلفة بحسب اختلاف الأفعال كطلب الماء وشراء اللحم والذهاب إلى القرية أو البلاد البعيدة على اختلافها في البعد وتهيؤ الأسباب أو المراد به ما لا يصل إلى حد التهاون وعدم الاكتراث بالأمر والظاهر أن أحدا لا يقول بجواز التأخير إلى الحد المذكور إن أفاد التأخير ذلك وذلك مما لا ربط له بدلالة الصيغة بل للمنع من التهاون بأوامر الشرع وعدم الاكتراث بالدين وهو أمر خارج عن مقتضى الأمر حتى إنه لو أخر إليه لم يسقط منه التكليف على القول المذكور وإن قلنا بسقوط التكليف بفوات الفور فليس ما ذكر تحديدا للفور إنما هو بيان لحد التأخير في التراخي من الخارج لا بمقتضى الصيغة إذ لا إشعار في نفس الصيغة بذلك أصلا فجعله بيانا لحد الفور كما يظهر من بعض المتأخرين ليس على ما ينبغي [ في أن القول بالفور ينحل إلى أقوال عديدة ] وكيف كان فالقول بالفور ينحل إلى أقوال عديدة فإن منهم من فسره بأول أزمنة الإمكان وفسره بعضهم بالفورية العرفية المختلفة بحسب اختلاف الأفعال وفسره بعضهم بما لا يصل إلى حد التهاون وأطلق بعضهم فيحتمل كلا من الوجوه الأربعة وربما يحمل على الفورية العرفية بأحد التفسيرين المذكورين ثم إن ظاهر القائل بالفورية تعينه وعن القاضي التخيير بينه وبين العزم على الفعل في ثاني الحال ثم إن الظاهر من بعضهم كما يظهر عن بعض الأدلة الآتية دلالته عليه بالوضع وذهب بعضهم إلى دلالته عليه